فخر الدين الرازي
156
تفسير الرازي
براءته مما يقوله الجهال والحشوية . قوله تعالى * ( وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِى إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّى إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن تفسير هذه الآية يختلف بحسب اختلاف ما قبلها لأنا إن قلنا إن قوله : * ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) * ( يوسف : 52 ) كلام يوسف كان هذا أيضاً من كلام يوسف ، وإن قلنا إن ذلك من تمام كلام المرأة كان هذا أيضاً كذلك ونحن نفسر هذه الآية على كلا التقديرين ، أما إذا قلنا إن هذا كلام يوسف عليه السلام فالحشوية تمسكوا به وقالوا : إنه عليه السلام لما قال : * ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) * قال جبريل عليه السلام ولا حين هممت بفك سراويلك فعند ذلك قال يوسف : * ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ) * أي بالزنا * ( إلا ما رحم ربي ) * أي عصم ربي * ( إن ربي غفور ) * للهم الذي هممت به * ( رحيم ) * أي لو فعلته لتاب علي . واعلم أن هذا الكلام ضعيف فإنا بينا أن الآية المتقدمة برهان قاطع على براءته عن الذنب بقي أن يقال : فما جوابكم عن هذه الآية فنقول فيه وجهان : الوجه الأول : أنه عليه السلام لما قال : * ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) * كان ذلك جارياً مجرى مدح النفس وتزكيتها ، وقال تعالى : * ( فلا تزكوا أنفسكم ) * ( النجم : 32 ) فاستدرك ذلك على نفسه بقوله : * ( وما أبرئ نفسي ) * والمعنى : وما أزكي نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ميالة إلى القبائح راغبة في المعصية . والوجه الثاني : في الجواب أن الآية لا تدل البتة على شيء مما ذكروه وذلك لأن يوسف عليه السلام لما قال : * ( إني لم أخنه بالغيب ) * بين أن ترك الخيانة ما كان لعدم الرغبة ولعدم ميل النفس والطبيعة ، لأن النفس أمارة بالسوء والطبيعة تواقة إلى الذات فبين بهذا الكلام أن الترك ما كان لعدم الرغبة ، بل لقيام الخوف من الله تعالى . أما إذا قلنا : إن هذا الكلام من بقية كلام المرأة ففيه وجهان : الأول : وما أبرئ نفسي عن مراودته ومقصودها تصديق يوسف عليه السلام في قوله : * ( هي راودتني عن نفسي ) * الثاني : أنها لما قالت : * ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) * ( يوسف : 52 ) قالت وما أبرئ نفسي عن الخيانة مطلقاً فإني قد خنته حين قد أحلت الذنب عليه وقلت : * ( ما جزاء من أراد بأهلك